بين سكن "الشفقة" ومراكز العلاج.. حكاية حافلات تقطع مسافات الوجع لتؤمن مواعيد الحياة
في صبيحة كل يوم، يرتسم مشهد مكرر أمام بوابة مؤسسة الشفقة لرعاية مرضى السرطان والفشل الكلوي بصنعاء؛ ملامح أتعبها المرض لكنها متمسكة بالأمل، تصعد بهدوء إلى حافلات المؤسسة التي تنتظرهم لتنقلهم إلى مراكز الغسيل الكلوي ووحدات الأورام.
هذا المشهد ليس مجرد خدمة نقل روتينية، بل هو "شريان حياة" يربط عشرات البسطاء القادمين من القرى والمدن البعيدة بمواعيد بقائهم على قيد الحياة.
في تمام الساعة السابعة صباحاً من كل يوم، تبدأ حافلات مؤسسة الشفقة رحلتها المعتادة في شوارع صنعاء. " كخيط نجاة" يربط عشرات المرضى القادمين من مختلف المحافظات بمراكز الغسيل الكلوي ووحدات علاج الأورام، في مهمة يومية تهدف لكسر حاجز المسافات وتكاليفها التي أثقلت كاهل البسطاء.
بالنسبة لمريض يصارع الفشل الكلوي أو السرطان، فإن الوصول إلى المستشفى في الموعد المحدد يمثل نصف المعركة. ومع الارتفاع الجنوني في تكاليف المواصلات خاصة التكاسي او ما يعرف شعبيا بالانجيز وأجور النقل، تحول "الطريق إلى العلاج" إلى عبء مادي يفوق طاقة الكثيرين، لدرجة أن البعض كان يضطر للتنازل عن جرعته أو جلسته بسبب "قيمة المشوار".
هنا، تدخلت مؤسسة الشفقة لتقطع هذا الطريق، موفرة خدمة تنقل مجانية ومنتظمة تضمن للمريض وصولاً كريماً دون أن يضطر لمد يده أو إرهاق كاهل أسرته.
يواجه مريض الفشل الكلوي أو السرطان في اليمن معركة مزدوجة؛ معركة مع المرض، وأخرى مع "المواصلات". فجلسات الغسيل التي قد تصل لثلاث مرات أسبوعياً، أو جرعات الكيماوي المتلاحقة، تتطلب تنقلاً مستمراً. وفي ظل ارتفاع أسعار الوقود وأجور النقل، يجد المريض نفسه عاجزاً عن الوصول لموعده الطبي.
خلف هذه الخدمة تكمن فلسفة طبية؛ فالالتزام بمواعيد الغسيل والجرعات الكيماوية هو الضامن الوحيد لعدم انتكاس الحالة الصحية. وبفضل هذا الانضباط في حركة الحافلات، تلاشت ظاهرة "التخلف عن المواعيد" لدى المرضى المقيمين في سكن المؤسسة. لم تعد الزحمة أو غلاء الوقود عائقاً، فالمؤسسة أخذت على عاتقها تأمين هذه الرحلة اليومية، مما انعكس بشكل مباشر على استقرار الحالة الصحية للمرضى ونفسياتهم.
وتتحول هذه الحافلات خلال الرحلة إلى فضاء من التضامن الإنساني؛ فالمريض لا يجلس وحيداً مع وجعه، بل يحيط به رفاق رحلة المرض، يتشاركون الأمل والدعاء، ويخففون عن بعضهم مشقة الطريق. كما أن التعامل الإنساني من قبل الطاقم اللوجستي والسائقين يمنح المرضى شعوراً بالخصوصية والرعاية، وهو ما يفتقدونه تماماً في وسائل النقل العامة التي لا تراعي حالاتهم الصحية الحرجة.
يرى الأطباء أن الانتظام في المواعيد هو نصف العلاج. وبفضل خدمة المواصلات المنضبطة التي توفرها المؤسسة من وإلى السكن الإيوائي، استقرت الحالات الصحية للكثير من المرضى الذين كانوا في السابق يضطرون لتأجيل جلساتهم بسبب عدم قدرتهم على دفع أجور "التاكسي" أو التعب الجسدي الذي يمنعهم من استخدام المواصلات العامة. الحافلة هنا توفر "الراحة النفسية" قبل الراحة الجسدية، حيث ينتقل المريض مع أقرانه في بيئة آمنة ومهيأة.
و استمرار محركات هذه الحافلات دوران عجلاتها بشكل يومي ابى مراكز العلاج هو ضمانة لبقاء المرضى على قيد الحياة. فتعطل حافلة أو نقص في وقودها يعني ببساطة "غياب مريض عن جلسته المنقذة".
ودعم هذا القطاع اللوجستي في المؤسسة هو استثمار مباشر في صحة الناس وكرامتهم، ودعوة لكل الخيرين للمساهمة في استدامة هذه الخدمة التي تمثل جسر العبور الحقيقي نحو التعافي.


